ابن عساكر

208

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

كان مع المعتضد أعرابي فصيح يقال له : شعلة بن شهاب اليشكري ، وكان يأنس به ، فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ وكان عارفا به ليرغبه في الطاعة ويحذره العصيان ويرفق به . قال شعلة : فصرت إليه فخاطبته أقرب خطاب ، فلم يجبني ، فوجهت إلى عمته أم الشريف ، فصرت إليها فقالت : يا أبا شهاب ، كيف خلّفت أمير المؤمنين ؟ فقلت : خلّفته أمّارا بالمعروف ، فعّالا للخير ، متعززا على الباطل ، متذللا للحق ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم . فقالت لي : أهل ذلك هو ومستحقّه « 1 » وكيف لا يكون كذلك وهو ظل اللّه الممدود على بلاده ، وخليفته المؤتمن على عباده ، أعز به دينه ، وأحيا به سنته ، وثبّت « 2 » به شرائعه ، ثم قالت : يا أبا شهاب ، فكيف رأيت صاحبنا ؟ قلت : رأيت حدثا معجبا قد استحوذ عليه السفهاء ، واستبد بآرائهم ، وأنصت لأقوالهم « 3 » ، يزخرفون له الكذب ، ويوردونه الندم ، فقالت : هل لك أن ترجع إليه بكتابي قبل لقاء أمير المؤمنين ، فلعلك تحلّ عقد « 4 » السفهاء ؟ قلت : أجل ، فكتبت إليه كتابا حسنا لطيفا أجزلت فيه الموعظة ، وأخلصت فيه النصيحة ، بهذه الأبيات : أقبل نصيحة أمّ قلبها وجل * عليك خوفا وإشفاقا وقل سددا واستعمل الفكر في قول « 5 » فإنّك إن * فكّرت ألفيت في قولي لك الرّشدا ولا تثق برجال في قلوبهم * ضغائن تبعث الشنآن والحسدا مثل النعاج خمولا في بيوتهم * حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا وداو داءك والأدواء ممكنة * وإذا طبيبك قد ألقى عليك « 6 » يدا أعط « 7 » الخليفة ما يرضيه منك ولا * تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا وأردد أخا يشكر ردا يكون له * ردءا « 8 » من السوء لا تشمت به أحدا

--> ( 1 ) زيد في الجليس الصالح : ومستوجبه . ( 2 ) في الجليس الصالح : وثبتت . ( 3 ) في الجليس الصالح : وأنصت لأفواههم . ( 4 ) في الجليس الصالح : عقدة السفهاء . ( 5 ) في الجليس الصالح والمنتظم : قولي . ( 6 ) في الجليس الصالح : إليك . ( 7 ) في المنتظم : واعط الخليفة . ( 8 ) في المنتظم : ردا .